أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
480
قهوة الإنشاء
تلك المعاملات « 1 » وزهت بعد الوحشة بالأنيس والخليط . ونزلت « 2 » اللاذقية في ساحل بحرها فرحا وقالت له : « جاءك البحر المحيط » ، وندمت جبلة على قبول ولاية الغير وناهيك بندامة جبلة فيما تقدم . وسرت جنائب القبول وأشرقت غرّة الهناء في مقام ابن أدهم ، وأصبح أهله في ذلك الحرم بعد الخوف آمنين ، وتلا لهم لسان الحال : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ « 3 » . ورفع الحصن أنف قلعته وأظهر شمما ، وعلم أنه بعد هذا الشرف لم يصل إليه إلا من اتخذ سلّما إلى السماء ، وصفا العيش لصفيتا بعد ما اشتدّت من الكدر « قفا نبك » ، وردّت مسابكها لما عادت إلى قيد الحياة على من قال : [ من الطويل ] تحطّمنا الأيام حتى كأننا * زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك وذللت صهوة صهيون ، وبترت يد الحاسد بالبترون ، ورجع الظنيّون « 4 » إلى التحقيق من الخير بعد ما ساءت بهم الظنون ، وعرقت عرقى « 5 » عرق العافية لما جاءها الطبيب ، وأمست المرقب كما يقال بلا وشاة ولا رقيب ، وغازلت عكا بعينها وصفت وتشامخت أنفة بعد ما كانت من أنفها قد أنفت ، وترفّعت بلاطنس الجبل وعلمت أنها لهذه البشرى في صعود وسعود ، * وتحقق نجم قلعتها أن طالعه بهذا الهناء مسعود * « 6 » ، وأمست القليعة مشرّفة وظهرت شمس بهجتها حتى قلنا إنها برج الحمل ، وعلقت العلّيقة بطرف من « 7 » سارية هذه البشرى فقالت لها : « يا سارية الجبل الجبل » ، وتشامخ الجبيل فرحة وتعاظم بعد التصغير ، وراقت الخوابي وتاهت سكرا بعد ما كانت هي وأهلها من الظلم تحت العصير ، ورجعت تلك البقاع التي شقيت لفقد مولانا إلى ما كانت عليه من السعادة وأزيد : [ من الكامل ] وإذا نظرت إلى البقاع وجدتها * تشقى كما تشقى الرجال وتسعد
--> ( 1 ) المعاملات : قا : العلامات . ( 2 ) نزلت : تو ، ها : تزلزلت . ( 3 ) سورة الدخان 44 / 51 . ( 4 ) نسبة إلى إقليم الضّنّيّة في شمال لبنان . ( 5 ) عرقت عرقى عرق : ها : عرفت عرّ في عرف ، وهي إشارة إلى بلدة عرقة في إقليم عكار بشمال لبنان . ( 6 ) ما بين النجمتين ساقط من قا ، ها . ( 7 ) من : ساقط من ها .